- إنضم
- 5 أغسطس 2019
- المشاركات
- 131,745
- مستوى التفاعل
- 24,698
- النقاط
- 187
- الاوسمة
- 2
التعليم المسائي في الجامعات العراقية.. شهادة بمعايير تتآكل تحت ضغط الوقت
طلبة وأكاديميّون يحذّرون من فجوة متزايدة مع الدراسة الصباحية
نشر في: 9 يوليو, 2026: 12:01 ص
بغداد / تبارك عبد المجيد
لم يعد التعليم المسائي في الجامعات العراقية مجرد نافذة بديلة للطلبة الذين حالت ظروفهم دون الالتحاق بالدراسة الصباحية، إذ بات يواجه أسئلة متزايدة بشأن قدرته على الحفاظ على جودة التعليم، وسط تحديات تتعلق بضيق الوقت، وضغط المناهج، وتفاوت مستوى المتابعة الأكاديمية.
وبينما يمنح هذا المسار فرصة لمواصلة التعليم لفئات تعمل أو تواجه ظروفا خاصة، يرى طلبة وأكاديميون أن محدودية الساعات الدراسية وطبيعة التطبيق العملي قد تخلقان فجوة في مستوى التحصيل مقارنة بالتعليم الصباحي. ويذكر كرار نوري، وهو طالب في الدراسة المسائية، أن مشكلة التعليم المسائي لا ترتبط فقط بوقت الدوام، بل تمتد إلى آلية اختيار الكوادر ووضع المناهج، مشددا على ضرورة اعتماد آلية جديدة لاختيار الأساتذة القائمين على العملية التعليمية، وعدم حصر إعداد المناهج بالأساتذة فقط، بل إشراك خبراء ومتخصصين من مجالات مختلفة لضمان مواكبة احتياجات الطلبة وسوق العمل.
ويقول كرار لـ«المدى»، إن «التركيز يجب أن يكون على المهارات العملية التي تمثل الركيزة الأساسية للطالب بعد التخرج، خصوصا في ظل حاجة سوق العمل إلى خريجين يمتلكون قدرات تطبيقية، وليس فقط معرفة نظرية».
ويضيف أن «التعليم المسائي في وضعه الحالي أصبح في كثير من الأحيان أقرب إلى مسار للحصول على شهادة مقابل مبالغ مالية، من دون التركيز بشكل كاف على فهم الطالب للمادة أو اكتسابه المهارات المطلوبة»، مبينا أن قلة ساعات الدوام والتهاون في بعض الجوانب التعليمية ينعكسان على مستوى المخرجات. ويؤكد كرار أن تطوير التعليم المسائي يتطلب مراجعة شاملة للمعايير المعتمدة، سواء في اختيار التدريسيين أو تقييم الطلبة أو طبيعة المناهج، لضمان أن يكون هذا النوع من التعليم فرصة حقيقية للتعلم، لا مجرد طريق للحصول على شهادة.
وتقول الطالبة لينا هشام إن الدراسة المسائية تمثل خيارا مناسبا جدا لشريحة واسعة من الطلبة، خصوصا الذين يعملون أو لديهم ظروف خاصة تمنعهم من الالتحاق بالدراسة الصباحية، مبينة أن تجربتها مع نمطي الدراسة كشفت عن تحديات تختلف من مؤسسة تعليمية إلى أخرى. وتوضح لينا لـ«المدى»، أن «من أبرز المشكلات الموجودة في بعض المؤسسات التعليمية وجود أساتذة متهاونين في أداء واجباتهم، سواء من ناحية الالتزام بالمحاضرات أو ضعف المتابعة والتقييم»، مشيرة إلى أن بعض الطلبة يواجهون أحيانا أحكاما مسبقة من بعض التدريسيين، باعتبار أن الطالب المسائي أقل قدرة على الإنجاز بسبب ضيق الوقت، في حين أن الواقع قد يكون مختلفا. وتضيف أن «بعض التدريسيين يتعاملون مع الدراسة المسائية باعتبارها مجرد استكمال للنصاب الجامعي، ما يجعل التركيز ينصب على إنهاء المحاضرات بسرعة أكثر من ضمان تحقيق الفائدة العلمية للطالب»، مؤكدة في الوقت نفسه أن المشكلة لا تقع على المؤسسة التعليمية فقط، إذ توجد أيضا حالات لطلبة يختارون المسائي بسبب قلة الضغط أو قصر ساعات الدوام.
وترى لينا أن ضعف ارتباط التعليم بسوق العمل ليس مشكلة خاصة بالدراسة المسائية، بل تحد يواجه التعليم الجامعي بشكل عام، في ظل استمرار النقص في التركيز على الجانب العملي والمهارات التي يحتاجها الطالب بعد التخرج.
ويقول علي، وهو طالب آخر في التعليم المسائي، إن «المشكلة في التعليم المسائي لا تقتصر على ضيق الوقت فقط، بل ترتبط بضعف الاهتمام بجودة التعليم بشكل عام، إذ يشعر العديد من الطلبة بأن هذا النوع من التعليم ينظر إليه كحل لاستيعاب الأعداد أكثر من كونه مسارا تعليميا يحتاج إلى المعايير والاهتمام ذاتهما الموجودين في التعليم الصباحي».
ويضيف أنه اختار التعليم المسائي الحكومي لتجنب الدراسة في الجامعات الأهلية، التي يرى أن «سمعتها تراجعت من ناحية جودة التعليم»، إلا أنه عبّر عن تفاجئه بمستوى التعليم المسائي، موضحا أن توقعاته كانت مختلفة، لكنه وجد أن بعض التحديات المتعلقة بجودة التعليم والمتابعة ما زالت قائمة.
ويضيف علي لـ«المدى»، أن «قلة الساعات الدراسية تؤثر على شرح المناهج واستيعابها، خصوصا أن بعض الطلبة يصلون إلى الدوام بعد يوم طويل من العمل أو الالتزامات، ما يجعل عملية التركيز والمراجعة أكثر صعوبة».
ويشير إلى أن «هناك ركاكة في بعض جوانب التعليم المسائي، مع غياب المتابعة الكافية وعدم وضوح المعايير المهنية في تقييم الطلبة ومستوى التعليم المقدم، الأمر الذي يجعل التركيز أحيانا على إنهاء العام الدراسي أكثر من ضمان حصول الطالب على المعرفة المطلوبة، هذا في ظل قدم المناهج التعليمية بشكل عام سواء في الدراسة الصباحية أو المسائية». ويؤكد أن «طلبة التعليم المسائي لديهم ظروف مختلفة، لكن ذلك لا يعني أن يحصلوا على تعليم بجودة أقل، بل يحتاجون إلى دعم وتنظيم يضمن لهم فرصة حقيقية للحصول على تعليم مماثل من حيث الجودة والمعايير».
من جانبه، يقول الأكاديمي د. حيدر ناصر إن الفجوة المتسعة بين التعليم الصباحي والمسائي في الجامعات العراقية لم تعد تقتصر على تفاوت التوقيت، بل تحولت إلى تحد بنيوي يهدد جودة المخرجات الأكاديمية وقيمة التحصيل العلمي، نظرا لضغط عامل الوقت وغياب التكافؤ في استغلال البنى التحتية للمؤسسات التعليمية. ويبين ناصر لـ«المدى»، أن «تحدي الوقت في الدراسة المسائية لا يقف عند حدود اختصار ساعات المحاضرة فحسب، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على عمق المادة العلمية»، موضحا أن محاولة اختزال المناهج المصممة لـ15 أسبوعا كاملا وضغطها لتتناسب مع الساعات المتاحة في الدوام المسائي، غالبا ما تجبر التدريسيين، تحت ضغط الوقت، على ممارسة خيارات صعبة، من بينها التخلي عن الأنشطة اللامنهجية، وتقليص ساعات الحوار والنقاش داخل القاعة الدراسية، والتركيز على التلقين السريع لاستيفاء المتطلبات النظرية فقط.
ويحذر ناصر من غياب العدالة بين الفترتين الدراسيتين، قائلا إن «المشكلة الكبرى تكمن في الاستغلال غير المتكافئ للمرافق الحيوية، ففي الوقت الذي يستفيد فيه طلبة الصباح من كامل طاقات الكلية من مختبرات، ومكتبات، واستوديوهات، وورش فنية وتطبيقية طوال النهار، يواجه طلبة المسائي جدارا من الوقت الضيق، إذ تغلق معظم هذه المرافق الحيوية أو تقل كفاءتها التشغيلية بعد ساعات الدوام الرسمي».
ويرى أن هذا الحرمان غير المباشر ينعكس بوضوح على جودة مشاريع التخرج والبحوث التطبيقية لطلبة المسائي، الذين يجدون أنفسهم أمام متطلبات أكاديمية صارمة، لكن من دون أدوات لوجستية كافية لتنفيذها.
ويتابع ناصر: «لا يمكننا عزل جودة التعليم عن الحالة الذهنية والبدنية لطرفي العملية التعليمية. الطالب المسائي يأتي في الغالب بعد يوم عمل شاق، والتدريسي الذي يستأنف محاضراته بعد دوام صباحي منهك، يشتركان في مستويات عالية من الإجهاد والإنهاك الرقمي والبدني»، مشيرا إلى أن «هذا الواقع يفرض في كثير من الأحيان، وبشكل غير معلن في بعض الكليات، مراعاة للظروف، نمطا من تخفيف معايير التقييم والامتحانات ليتلاءم مع واقع الحال، وهو مؤشر خطير قد يؤدي إلى تراجع القيمة الفعلية للمخرجات إذا لم يتم تداركه».
ويرى ناصر أن الحل يتطلب «إعادة هيكلة كاملة لمناهج الدراسة المسائية بما يتوافق مع نمط التعليم المدمج الذكي، وتخصيص الساعات الحضورية المحدودة داخل الكلية للمختبرات والورش العملية فقط»، مقترحا «تمديد فترات الفصول الدراسية للمسائي أو إعادة النظر بآليات التقييم، لضمان أن تكون شهادة التعليم المسائي مساوية للصباحي في الكفاءة والمحتوى، وليس في المسمى فقط».
