عطري وجودك
Well-Known Member
- إنضم
- 5 أغسطس 2019
- المشاركات
- 83,413
- مستوى التفاعل
- 4,012
- النقاط
- 213
زواج اجباري البطل غني والبطله فقيره | رواية خليجية مؤثرة
في مجلسٍ فخم مكسوّ بسجّادٍ إيراني وثريّا تتدلّى مثل شمسٍ من كريستال، كان ناصر بن خالد يطالع شاشة جوّاله ويقلب أسهم البورصة بنفَسٍ بارد. من بعيد يجي صوت أمّه، الشيخة شيخه: «يا يمّه، تعبت وأنا أقول لك، لازم تستقرّ، أبي أشوف عيالك قبل لا يسبقني العمر». يرفع راسه: «يمّه تكفين، الحين موب وقته. عندي اجتماعات». تردّ بنبرةٍ ما فيها مزاح: «الزواج هالشهر، وخلصنا. والدك الله يرحمه وصّاني». يزفر ناصر: «منو؟» تقول: «بنت فقيره من ديرتنا القديمة، اسمها جواهر». يضحك بسخرية: «يمّه، ما يناسبني». تزقره: «وِش دراك؟ يمكن هي اللي تصلّحك».
الفصل الثاني: في طرفٍ ثاني، بحارة صغيرة على الساحل، كانت جواهر بنت محمّد تلملم شباك أبوها العليل. الريح تلعب بخصل شعرها ويتناثر الملح على وجنتيها. يدخل أخوها الصغير، سالم، يركض: «جواهر! أمّي تناديك». تركض للداخل. أمّها، أُم شيخه، تمسح دموعها: «يابنتي، جاونا جماعة أغنياء، يبوّن يخطبونك». تندهش: «أنا؟ شلون؟» أمّها: «يقولون وصّية قديمة بينهم وبين المرحوم جدّك». جواهر ما كانت تفكر بالزواج أصلًا، همّها لقمة العيش وسداد ديون المستشفى. تحاول ترفض لكن أمّها تهمس: «يمكن يكون فرَج من ربّ العالمين، يا بنتي».
الفصل الثالث: بعد أسبوع، تمّت النظرة الشرعية في بيت ناصر. جواهر لابسة عباءة بسيطة وسط قصرٍ يلمع. قلبها يدقّ مثل دفوف العرس. تدخل غرفة الجلوس، تلمح رجلاً ببدلة رسمية وساعة ألماس. يرفع عينه، يطالعها برود، ثم يقول: «شلونك؟» صوتها يطلع منخفض: «الحمد لله». يسأل بلا إحساس: «موافقة؟» تتردّد وتذكر أمها وأبوها المريض فتهمس: «إي». ينهض، يخلص: «على بركة الله»، ويخرج قبل حتى ترفع راسها. جواهر تستغرب بروده لكن تقول لنفسها: «الله يكتب اللي فيه خير».
الفصل الرابع: تجهيزات العرس صارت بسرعة الصاروخ. فستان أبيض مستأجر لجواهر، وقاعة خمس نجوم حجزتها والدة ناصر. جواهر لما دخلت القاعة احست نفسها غريبة، البنات حولها يتفاخرن بالذهب والبراندات، وهي يدها ترتجف لأنها ما تملك حتى هاتف ذكي. أمّ ناصر تلاحظ توترها، فتمسك يدها وتبتسم: «لا تخافين، من اليوم إنتِ بنتي». لمعة طيبة بعين الشيخة شيخه خففت خوف جواهر شوي.
الفصل الخامس: بعد انتهاء الزفاف، سافروا دبي لقضاء شهر العسل. الفندق طابق كامل لنـاصر. بس العلاقة بينهم باردة، كلّ واحد في زاوية. جواهر تجلس بالشرفة تشوف أضواء المارينا وتفكر بأهلها، بينما هو يسهر تحت، اجتماعات مع مستثمرين. مرّ يومين ما تبادلوا كلمة إلا «صباح الخير» و«مساء الخير».
الفصل السادس: ليلة اليوم الثالث، تجرأت جواهر وطرقت باب جناحه. فتح وهو يتحدّث عبر سماعة البلوتوث: «لحظة شباب». شال السماعة وسألها: «خير؟» قالت بصوت مُرتجف: «نقدر نتكلم؟ إحنا متزوجين، ولازم نفهم بعض». رفع حاجبه: «شنو تبين تفهمين؟ اتفاقنا واضح: زواج يرضي أمي ويأمّن مستقبل أهلك. بالمقابل، تعيشين مرتاحة وما ينقصك شيء». تردّ: «بس أنا أبي زوج يحسّ فيني». ابتسم ابتسامة ما بين تهكّم وملل: «المشاعر تجي مع الوقت، لا تضغطين». سكرت الباب بهدوء لكن بداخلها تنهّد موجوع.
الفصل السابع: رجعوا الرياض، استقروا في فيلا بحيّ راقٍ. جواهر تقضي وقتها مع الشغّالة الفلبينية ماري، تتعلّم منها الإنجليزي وتطبخ طبخات جديدة. كل ما حاولت تقرّب من ناصر، يتهرّب. مرّ شهر كامل، وهي ما تعرف عنه إلا أنه «مشغول». حدّثت أمّه فقالت: «يا يمّه، ولدنا طيب بس شاطر في البزنس أكثر من العواطف. عطِيه وقت». توافق، لكنها تخاف الوقت يطوّل.
الفصل الثامن: في يوم خميس، ناصر جاي من مكتبه، شكله مرهق. دخل البيت ولقى ريحة كبسة سمك تفوح. ماري تقول له: «مدام جواهر سوّت لك عشا». يروح السفرة، يشوف جواهر توزّع الرز. نظراته تلين شوي. جلس، أكل لقمة، التفت لها: «طعمها يشبه طبخ أمّي الله يرحمها». تبتسم بخجل: «أنا تعلّمت من أمّي». يكمّل أكل وهو ساكت، لكن بعينه شيء مختلف.
الفصل التاسع: بعد العشا، شكرها: «يعطيك العافية». وقف يروح غرفته، لكن رجع قال: «بكره عندي حفل إطلاق مشروع جديد، حابّ تكونين معي». قلبها يرقص: «أكيد».
الفصل العاشر: طلّت جواهر في الحفل بفستانٍ راقٍ اشترته لها أمّ ناصر. شعرها مسدول وعيونها كحل خفيف. رجال الأعمال يسلمون على ناصر، وهو للمرة الأولى يمسك يدها أمام الناس: «أعرّفكم على حرّمنا… جواهر». شعرت جواهر بفخر غريب. وسط الزحام، يهمس لها: «شكلك جميل». تحمرّ خدودها.
الفصل الحادي عشر: بنهاية الحفل، ناصر يصعد السيارة ومعه جواهر. كان ساكت، لكن فجأة قال: «عارفة ليش وافقت أتزوجك؟» ردّت: «لا». تنهد: «أمي مريضة قلب، والدكتور قال لازم تبتعد عن الضغط. كانت تبكي الليل كله لأنها خايفة أموت عزّابي. يوم عرفت سيرة وصية جدّك، قلت هذا الحلّ الأسرع». نظرت له بحزن: «وأنا؟» قال: «كنت أشوفك وسيلة. بس اليوم شفتك غير».
الفصل الثاني عشر: الأيام بعدها تغيّرت. صار يرجع بدري، ياخذها للبحر أو مطاعم. يكتشف فيها خفّة دم وذكاء. مرة جالسة معه تشوف تقاريره المالية، راحت تصحّح له نسبة غلط بالجداول. استغرب: «من وين لك؟» قالت: «كنت شاطرة رياضيات بالثانوي، بس ما قدرت أكمل جامعة». يردّ مبتسم: «جامعتك من اليوم مكتبّي، لو تبين».
الفصل الثالث عشر: في ليلة، وهي ترتّب دولابه، وقعت صورة قديمة له مع فتاة أجنبية. لمّا واجهته، قال بصراحة: «هذي كانت خطيبتي أيام دراستي بلندن، تركتني عشان فلوس أكثر». سألته: «ولسه تحبها؟» هز رأسه: «بعد اللي شفته منك، أدري أن الحب مو فلوس ووجاهة، الحب عِشرة».
الفصل الرابع عشر: مرت ستة شهور. صارت جواهر تحمل طفلًا في بطنها. خبر الحمل نزل على أمّ ناصر مثل مطر رحمة. حضنت جواهر وبكت: «بنتي، والله رفعتِ راسي». أمّا ناصر، فجلس على الأرض يبكي بهدوء، أول مرة يبكي من سنين.
الفصل الخامس عشر: لكن السعادة ما تكمل. مرض والد جواهر تدهور. اتصلت أمّها تبكي: «المستشفى يطالبنا بسبعين ألف». بدون تفكير، جواهر باعت ذهبها الخاص وقالت لناصر: «أبي أساعد أبوي». ناصر سكت، ثم دخل حسابه وأرسل مئة وخمسين ألفًا. قالت: «ما أبي ها المبلغ الكبير». ردّ: «هذا أبوك، وأبوك صار أبوي».
الفصل السادس عشر: دخل الوالد عملية قلب مفتوح ونجحت بحمد الله. ناصر زارهم في القرية مع جواهر. أول مرة يلبس دشداشة بيضاء بسيطة ويحطّ شماغ بدون عقال مثل أهل الساحل. جالس مع الرجال يشرب القهوة الشعبية ويضحك. أهل القرية انبهروا بتواضعه. جواهر شاهدته من بعيد وقالت لأمّها: «هذا زوجي؟ مو مصدّقة».
الفصل السابع عشر : رجعوا الرياض، الإعلام بدأ يتكلم عن «رجل الأعمال ناصر بن خالد يدعم المستشفيات الريفية». سأله أحد الصحفيين: «وش سبب هذه المبادرات؟» قال: «زوجتي علّمتني إن الخير ما يندفن». جواهر خلف الكواليس تدمع.
الفصل الثامن عشر: في يوم ممطر نادر، جواهر تجلس في الحديقة الخلفية، بطنها صار واضح. ناصر يجي ومعه ورد جوري: «تذكرت أوّل مرة شفتك، كنتِ خايفة. الحين صرتِ قلبي». تبتسم له: «وأنت علمتني إن المال بدون مشاعر ورق فاضي». يحطّ يده على بطنها: «نسميه خالد على اسم أبوي؟» تهزّ راسها موافقة.
الفصل التاسع عشر: الولادة كانت صعبة، لكن انتهت بصرخة طفلٍ سليم. ناصر كان واقف برا، لما سمع صوت ابنه خرّ ساجد في ممر المستشفى. دخل الغرفة، شاف جواهر شاحبة بس مبتسمة. خذا يدها: «شكرًا لأنك اخترقتي جدار قلبي». ردّت هامسة: «ومنك تعلمت إن الحب ما ينشرا… لكنه ينعطى».
الفصل العشرون: بعد سنتين، جواهر تخرّجت من جامعة أهلية بدعم ناصر، تخصّص محاسبة. أسّسا معًا مؤسسة خيرية تعلّم بنات القرى الحساب والخياطة. في حفل الافتتاح، وقفت جواهر على المنصّة باللهجة الساحلية: «كنت بنت فقيرة، وزواجي كان إجباري. بس الله كتب لي رجل شاف روحي قبل فقري. اليوم أقول لكل بنت: لا تستحين من أصلك، وخلّيكِ شريكة بالبيوت قبل ما تكوني زينة فيهم». صفّق الجميع، وناظرها ناصر بعينين مليئتين فخرٌ وحبّ. ذاك الزواج الاجباري اللي بدأ بورقة، صار رواية مكتوبة بحبر القلوب.
النهاية