يا نفحة الطيب في حياة المرملين
يا عبقة المجد وشميم الكبرياء
يا دفقة النور في كثافة الديجور
يا صحية الحسين من علياء الإباء
يا صرخة الرفض كمحذور القضاء
يا من تأرج في الأنحاء الزاكيات شذى حبه .
ومشى في العروق الطاهرات دفء هواه
وكان في النفوس العاليات مكينا
يا روضة الفهم تباغمت فيها أفانين الزهور
ياشروق الصفاء الملائكي الطهور
سطورا أستنزل بها واهما للناظرين بعض ما استعلى فخشعت له قلوب العارفين من شأنك المبين ، كلمات أصور بها غير مفلح ولا منجح بلا ريب شموخ حياة علويه كأنها كانت في عالم الغيب.
وحروف أضمنها عاجزة كليلة معاني ذلك الوجود الصدري المعجز ، غير ان بذل القليل خير من الحرمان ، وإظهار اليسير خير من الكتمان ، والطموح لنيل ما يدنو من المحال خير من الإقرار بالعجز والكلال.
فصحفا إذا ما حارت السبل باليراع الباحث عن الصواب في أمرك العجاب.
مضت الأعوام على فاجعة العصر والأسى حيّ في القلوب له فيها دوّي ووجيب ، تصرمت السنون على المأساة في كربلاء الزمان ملتحقة بركب هائل من الأعوام لسجية الألم والدم في تاريخنا الأصيل
منذ أطل علينا فجر الإسلام ذودا عن الفجر تتعاوره عوادي الليل الأيهم وذبّا عن الحقيقة تتكثف من حولها لقتلها دياجي الزيف والباطل منذ عاشواء هذا العصر واللوعة تجيش كأنها مرجل والقلوب مع الاحزان كأنها في أحشاء بركان والنفوس المفجوعة بالخطب الأليم في غيابات الغموم لا تبرح ولا تريم.
منذ ان نعي الناعي عملاق هذا الزمان فكرا وسعيا حتى الساعة والفاجعة لا تفتأ معنا جمرة في القلوب لا تخبو ودمعة في العيون لا ترقأ وحسرة في الصدور لم تعتم تردد.
تمر علينا وعليها الايام لا لتباعد ما بيننا بل لتزيدها بنا إلتحاما وفي إعماقنا إضطراما بحجم تاريخ كامل من الفواجع وهذا من سجايا المصائب معنا ومن سجايانا مع المصائب.
فمن سجايانا معها أنها قدرنا وقدرنا إخترناها واختارتنا ، هي قدرنا لأن عظم النفوس بعظم تحملاتها وآلامها
وهي قدرنا لأنها رهن الإيمان تتبعه إتباع الفصيل أثر أمه وتكون معه في حال الإضطراد ككفتي الميزان كلما زاد هو في كفه زادت هي في الأخرى.
ومن عجائب أمرنا في الحياة أن مصائبنا مفاخرنا وإن فواجعنا مآثرنا وإن مسيرة الألم والدم تمير لا نأنس بسواها وأنيس لا نترضي ما عداه حتى نبلغ غايتنا المحتومة بعد محنة السرى نصرا مشرقا كأنه شمس الضحى ورسالة خفاقة اللواء تفيض أفانين الآلاء.
قتل الصدر صبرا ومضى الى عليين شامخ الجبين وقد أبى الله تعالى إلا ان يجتبيه للصدارة على شتى فنونها ، صدارة المحتد والنسب ، وصدارة الفكر والعمل ، وصدارة الفداء والشهادة ، على أثر جده الحسين عليه السلام كان ينقل الخطى ، ينهل من معين الصبر عنده فيضا من الصبر ، ويستقي من نبع الصلابة في دنياه الزاكية الأبية ما يبل غلته الى الكأس الروية يقوى بها على بلوغ أسمى المرتجى وغاية المنى شهادة يبقى بها الصدر على فم التاريخ آية في البذل والعطاء يرسلها بخشوع وإجلال ولحنا عذبا في الفداء يردده على مسامع الاجيال .
وكان الصدر في دنيا ومضى عمر ومضة عجلان ما انقضى ، أما نورها فقد ظل قضية لا يعروها الفناء ، ومستقرها ومستثارها القلوب والدماء ، رحابها كل يوم في إتساع ، وآفاقها كل حين في امتداد ، وطلابها وجنودها كتهتان المطر كل فوج يليه فوج على الأثر .
كان الصدر ومازال وسيبقى ديمة سمحة جمة الآلاء.
فكره العبقري طود شامخ ، تشخص صاغرة عن سفحه حلوم المفكرين. وإبداعه المعجز خضم هائل تجمد عند شطآنه من هوله فطن المبدعين. وجهاده الفذ نهج في الفداء سارت وتسير عليه قوافل الأبرار من أبنائه المخلصين.
وأخلاقه وشمائله في كل شؤونه هدي متكامل أطل من روح الإيمان قدوة لمن يقتدون ، ومنارا لمن يستضيئون .
كانت حياته طهرا ماثلا يتلألأ كالشمس في إشراقها ومعينا دائب الفيض ، تمحضت للخير والندى ، وهي جهاد موصول الحلقات متواشج العرى من الصبا الى المنحر .
ما زالت تحل علينا ، بل تنبعث من قلوبنا ذكرى الرحيل الطهور الى عالم الرضوان والنور.
رحيل العظمة ، قد تجسدت في هيئة إنسان.
رحيل المحاسن قد تمثلت في وجود بشري للصدر.
كان فينا ونأى كعطر الزهرة المتضوع مرّ علينا مع النسيم تشممناه ثم فارقناه.
إنه لحضورك في قلوبنا ذلك الجلي الدائب المُلِح المهيب كشمس طالعة لا تغيب ، يخدعه ويوهمه بأن الحاضر الجلي فيه لم يزل حاضرا جليا في الحياة والاحياء .
ويقعد به تطلُّعه في نور تلك الشمس الوهاجة المشعشة الواصبة في أنحائه عن أن يرقى الى التسليم بالأمر الذي كان ، وأن شمسا على قالب إنسان يقال له الصدر قد أفلت ، وذهبت وراء الأفق ..
إنه نور حقيقتك الشاخص الثاقب حجزني عن التسليم بقضية نور وجهك الغائب ..
لقد نعاك لهم الناعي فبكوا لأنهم صدقوا ..
أما أنا فقد ذابت أركاني فهويت لإقرار العقل إلا دمعتي فهي جامدة لا تذوب ، إذ لم تسعفها لتذيبها حرارة الإحساس بالمصاب من القلب الذي لا يريد أن يصدق .
لقد أنصفتم أنفسكم وصدقتموها الخبر ولم تخدعوها فذاقت أياما لوعة النبأ الأليم ، وودعت من الحياة صدرها العظيم ، فتطامن جموح اللوعة ، وسكنت عرامة الخطب ، وخمد هياج الغماء ، ثم مرت بكم الأيام فإذا الصدر في حياتكم ذكرى تجددونها كل عام ..
أما أنا فما زالت نفسي والفاجعة في قطبي هذه الأرض بينهما بعد المشرقين ، تتبدى لها هذه من المغرب حالكة السواد ، فتطلع عليها تلك من المشرق بضياء الصدر المقيم فيها ، فلا ترى وهي في لجج النور الثاقب تلك الظلمة المغربية التي تنقشع ، فلا يبقى منها إلا خيوط باهتة يبصر ويقرأ فيها العقل وجه الحقيقة وحديثها ، اما النفس المحبة الولهى التي أعتنقت طيفه الحبيب تحسبه هو ، وتعلقت عينها بجماله وجلاله كأنها تراه حسا ، فلن ترى وإن رأت فلن تصدق ، ولن تقرأ ، وإن قرأت ، فليس إلا ظلال حروف معكوسة عجلان ما تصاب بالكلال في ترتبيها ، والعجز عن ردها الى أصلها فتغض طرفها عن وجه الحقيقة المرة لتحتضن الوهم يبرحها من العقل نداء غليظ متصل يقول لها : قد كان ما تتخوفين من الخطب الجلل ولقد أحسن الناس حين أقاموا مناحاتهم فأطفأوا بالدموع نار التفجع ، وأخمدوا بما الشؤون لظى الشجون ، وأذلوا بالإقرار والتصبر وطأة الملم الجسيم ، أما أنت يا نفس فارضي إذا شئت بالمكابرة والشموس لتصطحبي الفاجعة مدى الدهر ، أو اركني مستسلمة ، وأصغي الى النداء الحق ليكون لك مع الفاجعة ما ان للناس ، فورة من العناء أطفأتها رويدا رويدا سحب هاتنة من السلوّ والعزاء.
ولا يزال هذا هو دأب نفسي النافرة الحرون تصك سمعها صيحة النبأ الفادح فكأنها لا تسمع إلا الصوت الحق ، وتترى عليها براهين الواقع فكأنها لا ترى إلا أوهاما نسجتها الخيالات ، لقد أصمها الحب وأعماها فعزّ عليها ان تشعر بالخيبة في هواها ، أو جللها خوف التصديق وغشّاها فحجبها عن حقيقة هذا الأمر في دنياها .
عظم الله أجور المؤمنين بحلول الذكرى الفاجعة والأليمة والجريمة الكبرى التي طالت حياة المفكر الكبير والفيلسوف العبقري آية الله العظيم السيد محمد باقر الصدر قدس سره الشريف .. إنا لله وإنا إليه راجعون ..