الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه .
أما بعد : فهذه مسائل في صفّة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله أسأل الله تعالى أن ينفع بهذه المسائل ، ويكتب لها القبول.
المسألة الأولى :
من شروط الصلاة استقبال القبلة ، فلا تصح بدونه ، والمراد بالقبلة الكعبة ، وسميت قبلة ؛ لأن الناس يستقبلونها بوجوههم ويؤمونها ويقصدونها
والدليل على أن استقبال القبلة من شروط الصلاة :
قوله تعالى : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) .
وقال صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته : ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ) . متفق عليه
وأجمع المسلمون على أن استقبال القبلة من شروط الصلاة ، وممن نقل الإجماع ابن عبد البر ، والقرطبي .
• الحكمة من ذلك : أن يتجه الإنسان ببدنه إلى بيت الله ، كما يتجه بقلبه إلى ربه في السماء .
• وكانت القبلة أولاً إلى بيت المقدس ، ثم نسخت إلى الكعبة ، وكان تحويل القبلة في شعبان في السنة الثانية .
•الحالات التي يسقط فيها استقبال القبلة إذا كان عاجزاً
١- مثل أن يكون مريضاً لا يستطيع الحركة وليس عنده أحد يوجهه إلى القبلة ، فهنا يتجه حيث كان وجهه
٢- ومثله المأسور والمصلوب إلى غير القبلة .
لقول الله تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) .ولقوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) .ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) ، ولأن هذا شرط عجز عنه فسقط .
٣-المسافر المتنفل على راحلته .
المسافر : فلا يجوز للمقيم أن يصلي إلى غير القبلة ، المتنفل : فلا يجوز في الفرض أن يصلي إلى غير القبلة .
• فلا يجوز للمسافر النازل أن يتنفل إلى غير القبلة ، فلا بد أن يكون مسافراً ويصلي نافلة على راحلته .
والدليل على هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم
ولحديث ابن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه ، يومئ برأسه ) . متفق عليه
وعن جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة ) . رواه البخاري .
وعن عامر بن ربيعة قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به ) . متفق عليه
زاد البخاري : ( يومئ برأسه - ولم يكن يصنعه في المكتوبة ) .
• قال النووي : ”جواز التنفل على الراحلة حيث توجهت به جائز بإجماع المسلمين“ .
• قال الحافظ ابن حجر : ”أي يصلي النافلة ، والتسبيح حقيقة في قول : سبحان الله ، فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكل“ .
• وطريقة الصلاة على الراحلة : يومئ برأسه كما في الحديث السابق ، وعند الترمذي : ( يجعل السجود أخفض من الركوع ) .
قال الشوكاني : ”الحديث يدل على أن سجود من صلى على الراحلة يكون أخفض من ركوعه ، ولا يلزمه وضع الجبهة على السرج ، ولا يبذل غاية
• وهذه الأحاديث التي تدل على جواز ذلك ؛ ظاهرها أنه لا يلزم افتتاح الصلاة إلى جهة القبلة ، وهذا هو الصحيح .
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يجب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام .
لحديث أنس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ، فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه ) . رواه أبو داود
والراجح القول الأول ، وهذا الحديث – إن صح – فهو محمول على الاستحباب ، لأنه فعل والفعل يدل على الاستحباب.
• قال ابن القيم بعد أن ذكر حديث أنس : ”وفي الحديث نظر ، وسائر من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم على راحلته أطلقوا أنه كان يصلي عليها قبل أي جهة توجهت به ، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها ، كعامر بن ربيعة ، وعبد الله بن عمر وجابر ، وحديثهم أصح من حديث أنس هذا“ .
• الحديث دليل على استحباب التنفل ، والصحيح من أقوال العلماء أن المسافر يصلي جميع النوافل ما عدا راتبة الظهر والمغرب والعشاء ، فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره في السفر ،
وثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى عام الفتح سنة الضحى .
وثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدع سنة الفجر لا حضراً ولا سفراً .
المسألة الثانية :
النية شرط من شروط الصلاة.
لحديث عمر رَضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه.
مسألة : محل النية القلب والتلفظ بها بدعة:
قال ابن القيم: (كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، ولم يقل شيئاً قبلها، ولا تلفظ بالنية البتة، ولا قال أصلي لله صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات..).
مسألة : الانتقال من نية إلى نية أثناء الصلاة:
لها أحوال:
١- الانتقال من معين إلى معين لا يصح.
من صلاة الظهر إلى صلاة العصر ، ففي هذه الحالة تبطل صلاة الظهر ؛ لأنه تحول عنها ، ولا تنعقد صلاة العصر ؛ لأنه لم ينوها
٢- الانتقال من مطلق إلى معين لا يصح
أن يشرع في صلاة نفل مطلق ثم يحول النية إلى نفل معين فيحولها إلى الراتبة
٣- الانتقال من معين إلى مطلق يصح
أن ينوي راتبة المغرب ثم بدا له أن يجعلها سنَّة مطلقة فهذا صحيح لا تبطل به الصلاة
المسألة الثالثة :
السترة
تعريفها:هي ما يجعله المصلي بينه وبين القبلة.
حكمها:سنة مؤكدة (وهذا مذهب أكثر العلماء).
لحديث (ليستتر أحدكم ولو بسهم) رواه حاكم.
ولحديث (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها) رواه ابن ماجه.
وهي غير واجبة: لحديث ابن عباس قال (أقبلت راكباً على حمار أتان وأنا يومئذ ناهزت الاحتلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس إلى غير جدار) متفق عليه. قوله (إلى غير جدار) أي: إلى غير سترة.
مسألة : السترة سنة للإمام والمنفردأما المأموم فلا يشرع له اتخاذ السترة. لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه.
ولأن الصحابة كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخذ أحد منهم سترة.
مسألة : يحرم المرور بين يدي المصلي لا يجوز للإنسان أن يمر بين يدي المصلي (الإمام أو المنفرد).لحديث أبي جهيم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يدي المصلي» متفق عليه.
المسألة الرابعة :
تعريف الصلاة :
لغة: الدعاء ومنه قوله تعالى: (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ). أي ادع لهم.
وشرعاً: عبادة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
حكمها: واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً )
عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بني الإسلام على خمس:.. وإقام الصلاة» متفق عليه
قال ابن قدامة: وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. [ المغني: 1-410]
مشروعة في جميع الملل:
قال تعالى: (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن كان قبلنا كانت لهم صلاة، ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات ولا في الهيئات).(مجموع الفتاوى: 22-5)
المسألة الخامسة :
تبدأ الصلاة بالتكبير:
لحديث أبي هريرة رضي الله قال (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة). متفق عليه.
تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة.
لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر). متفق عليه
ولحديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير) رواه الترمذي.
(سمي التكبير تحريماً، لأنه يمنع المصلي من الكلام والأكل وغيرهما).
لابد من لفظ: الله أكبر
لأن ألفاظ الذكر توقيفية، يتوقف فيها على ما ورد به النص ولا يجوز إبدالها بغيرها.
- الحكمة من افتتاح الصلاة بهذا هو تعظيم الله:
كما قاله القاضي عياض (استحضار المصلي عظمة من تهيأ لخدمته والوقوف بين يديه، ليمتلىء هيبة فيحضر قلبه ويخشع ولا يغيب).
مسألة : يجب على الإمام أن يجهر بالتكبير:
لحديث سعيد بن الحارث. قال (صلى بنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين رفع.. وقال: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ). متفق عليه.
ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((وإذا كبر فكبروا)) متفق عليه.
ولأنه لا يتم اقتداء المأمومين بالإمام إلا بسماع التكبير، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
المسألة السادسة :
ينظر المصلي إلى موضع سجوده:
لحديث عائشة رضي الله عنها قالت (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلمالكعبة وما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها). رواه الحاكم
مسألة : يستثنى من ذلك
١- التشهد فإنه ينظر إلى سبابته:
لحديث عبد الله بن الزبير قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى وأشار بأصبعه لا يجاوز بصره إشارته). رواه أبو داود
٢- وفي حال الخوف:
لحديث سهل بن الحنظلية قال (ثوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح - فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب). رواه أبو داود
- استثنى بعض العلماء المصلي في المسجد الحرام. قالوا: ينظر إلى الكعبة، لأنها قبلة المصلي
ولكن هذا القول ضعيف لأن النظر إلى الكعبة يشغل المصلي فالصحيح أن المسجد الحرام كغيره. قاله الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
المسألة السابعة :
يستحب رفع اليدين في أربع مواضع:
(عند تكبيرة الإحرام - وعند الركوع - وعند الرفع منه - وعند القيام من التشهد الأول).
لحديث ابن عمر قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه) حتى تكونا حذو منكبيه ثم كبر، فإذا { أراد أن يركع } فعل مثل ذلك، وإذا { رفع من الركوع } ولا يفعل ذلك في السجود) متفق عليه.
وعند القيام من التشهد الأول:
لحديث ابن عمر أيضاً (أنه كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه وإذا ركع.. وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) رواه البخاري.
المسألةالثامنة :
ترفع الأيدي :
١- إلى حذو المنكبين: لحديث ابن عمر السابق (كان إذا قام إلى الصلاة رفع يدية حتى تكون حذو منكبيه).
٢- أو إلى فروع أذنيه: لحديث مالك بن الحويرث (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما فروع أذنيه) رواه مسلم.
(الأفضل أن تفعل هذه مرة وهذه مرة).
المسألة التاسعة :
يكون الرفع مع التكبير أو قبله أو بعده:
كل ذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم
مع التكبير: لحديث ابن عمر (فرفع يديه حين التكبير) رواه البخاري .
يرفع ثم يكبر: لحديث ابن عمر أيضاً (إذا قام إلى الصلاة رفع يديه ثم كبر). رواه مسلم
يكبر ثم يرفع يديه: لحديث مالك بن الحويرث (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى كبر ثم رفع يديه). رواه مسلم
مسألة : السنة للمصلي أن يضع يده اليمنى على اليسرى على صدره:
لحديث وائل بن حجر قال (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده اليمنى على يدية اليسرى على صدره) رواه ابن خزيمة .
- قال الشوكاني (ولا شيء في الباب اصح من حديث وائل بن حجر).
- قال ابن حجر (الحكمة من هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع).
- قول بعض العلماء: السنة أن يضعهما المصلي تحت سرته قول ضعيف.
- قول علي: من السنة في الصلاة وضع الكف على الكف تحت السرة، رواه أبو داود وهو ضعيف .
مسألة : تكون اليدان ممدودتي الأصابع مضمومة
لحديث قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مداً). رواه أبو داود (مضموتي الأصابع ممدودة)
الحكمة من رفع اليدين:
قيل: معناه الإشارة إلى طرح الدنيا والإقبال بكليته على العبادة
وقيل: الاستسلام والانقياد ليناسب فعله قوله الله أكبر.وقبل غير ذلك