- إنضم
- 26 يونيو 2023
- المشاركات
- 83,003
- مستوى التفاعل
- 82,017
- النقاط
- 998


وأحيانًا… وأحيانًا دائمًا، يُختَم القلبُ برياح الغياب،
بأوامر القدر التي تنزلُ كالمطرِ البارد،
بآلام الرحيل التي لا دواء لها،
بأقدارٍ لا نستطيعُ أن نغيّرَ نبضةً واحدةً من إيقاعِها.
أحيانًا… وأحيانًا دائمًا،
يصبحُ الحبُّ طيفًا يسكنُ بينَ السطور،
وتصبحُ النظراتُ نوافذَ مغلقة،
ويصبحُ العاشقانِ ذكرى يذروها الريحُ في صفحاتِ الزمن.
فماذا أفعلُ بكَ؟
وكيف أُخفي صورتَك عن ظلالِ روحي؟
إن كان العالمُ قد صنعَ أسوارًا بيني وبينَك،
وكانَ الحُبُّ في أوطانِنا طيفًا بلا ملامح؟
وماذا أفعلُ بدمعٍ لا ينطفئ،
بأحلامٍ تذوي كوردةٍ في يدِ المساء؟
كيف أُسكتُ صوتَك في قلبي،
إن كانت الأبوابُ مغلقة، والطرقاتُ موحشة، والهواءُ مثقلٌ بالصمت؟
في أوطانٍ مثل أوطانِنا،
يصبحُ الحبُّ قمرًا غائبًا عن سماءِ العشّاق،
ويصبحُ العاشقانِ قاربينِ تائهينِ في بحرِ الاحتمالات،
وصدى لخطواتٍ مرتعشة،
وسحابةً تبحثُ عن مطرٍ لا يأتي.
وماذا يبقى لنا، حين تذبلُ الأمنياتُ كأوراقِ الخريف،
حين يصبحُ اللقاءُ سرابًا، والانتظارُ مرارةً، والرسائلُ وشوشاتِ رياح؟
يبقى لنا الحنينُ، كقصيدةٍ لم تكتمل،
كدفترِ مذكراتٍ تمزّقتْ صفحاته،
كعطرِ وردةٍ ماتتْ، لكنَّ شذاها لا يزالُ يعانقُ الأفق.
يبقى لنا بعضُ الكلماتِ التي تتساقطُ من شفاهِنا كدمعةِ الفجر،
بعضُ الطرقاتِ التي تذكرُ وقعَ خطانا،
وبعضُ الأحلامِ التي تعودُ كلَّ ليلة،
تسألُنا في هدوء: لماذا استسلمنا للرحيل؟
ويبقى لنا آثارُ أيدينا على جدرانِ الغياب،
بعضُ أسماءٍ نقشتها الريحُ على وجناتِ الزمن،
وبعضُ نبضٍ لم يخمدْ،
كأنهُ بقايا لحنٍ يبحثُ عن وترٍ يُعيدُ عزفَه.
يبقى لنا أن نتمسّك بالذكرى كأنها مصباحُ الطريق،
أن نمضي دون أن نلتفت،
أن نؤمنَ أن الزمنَ قد يأخذُ، لكنهُ يتركُ لنا ما لا يزول،
وأن الحبَّ، مهما طوّحَتْ به الأعاصير، سيظلُّ في مكانٍ ما، حيًّا، ينتظرُ العودة.
لا وداعٌ يليقُ بنا، ولا سلامٌ أخير،
فكلُّ الحدودِ بيني وبينَك وهمٌ،
وكلُّ الغيابِ سرابٌ…
كما لو أنَّ القدرَ نسيَ أن يُكملَ حكايتَنا!
ويبقى لنا أن نتهجّى ملامحَنا في مرايا الذكرى،
أن نرتّبَ أصواتَنا في أوراقِ القصائدِ الحزينة،
أن نحملَ أسماءَنا خفيفةً كأنها فراشاتٌ تائهة،
لا لكي نرحلَ، بل لكي نتركَ أثرًا لا يمحوهُ الغياب.
لم يكن الرحيلُ اختيارًا، ولا اللقاءُ وعدًا قابلاً للتحقّق،
كنّا كنجمتينِ تلاقتا في سماءِ المصادفة،
ثم تفرّقتا تحتَ سلطةِ الغيوم،
دون أن تسألَ إحداهما الأخرى: إلى أين؟
فلا تبحثْ عنّي في الزمنِ الذي عبرناهُ معًا،
لن تجدَ إلا ذكرى لم تكتمل،
وصدى لأغنيةٍ لم تنتهِ،
ونجمةً يتيمةً تضيءُ ما بيننا…
لا لتجمعَنا، بل لتُرينا كم أصبحَ البُعدُ شاسعًا!