- إنضم
- 13 مايو 2024
- المشاركات
- 54,838
- مستوى التفاعل
- 42,110
- النقاط
- 1,410
- الاوسمة
- 1
- الإقامة
- فُي قٌلُِبَ آلُِحٍڪآية
منذ طفولتي، كنت أعيش حياتين متوازيتين؛ واحدة يراها الجميع، وأخرى لا يعرفها أحد سواي.
في الخارج، كنت طفلًة عاديًة ؛ أضحك حين ينبغي أن أضحك، وأجيب حين يُنادى اسمي، وأمضي مع الأيام كما يمضي الآخرون. أما في داخلي، فكان يسكن عالم آخر، عالم لا تحدّه الجدران، ولا تفرض عليه الحياة قوانينها القاسية.
هناك، كنت أبني مدنًا لا يعرفها الحزن، وأرسم وجوهًا لا يطالها الخذلان، وأخترع أحاديث لم تُقَل، وأمنح الحكايات نهايات أكثر رحمة من تلك التي كانت الحياة تتركها لي.
لم يكن الخيال بالنسبة إليّ لعبة طفل، ولا رفاهية عابرة... كان بيتًا سريًا ألوذ به كلما ضاقت بي الدنيا.
كلما أثقل الواقع روحي، كنت أفتح باب ذلك العالم بصمت، وأدخله كما يدخل المرء بيته بعد غياب طويل؛ مطمئنًا إلى أن أحدًا هناك لن يسأله لماذا تأخر، ولا ماذا حدث له في الطريق.
هناك، كنت أصلح ما أفسده الواقع، وأحتضن تلك النسخ الصغيرة مني التي أنهكها الخوف، وأمنحها شيئًا من الطمأنينة التي لم أعرف كيف أطلبها من العالم.
كنت أتخيّل لأهدأ حين يشتد القلق، ولأنام حين تعجز الأفكار عن الصمت، ولأجفف دموعي قبل أن يراها أحد، ولأجد مخرجًا من أيام كانت تبدو أحيانًا أثقل من قدرة القلب على الاحتمال.
ومع مرور السنوات، لم يكبر جسدي وحده؛ كبر ذلك العالم معي أيضًا. اتسعت حدوده، وازدادت دفئًا، وصار أكثر قدرة على احتوائي، حتى وصلت أحيانًا إلى مرحلة لم أعد أعرف فيها أي العالمين أكثر حقيقة؛ العالم الذي أعيش فيه، أم العالم الذي يسكنني.
لم يدرك أحد أن أكثر ما أنقذني في هذه الحياة لم يكن يدًا امتدت نحوي، ولا كلمة قيلت في اللحظة المناسبة، ولا بابًا فُتح حين كنت أحتاج إليه... كان شيئًا لا يُرى.
كان خيالًا صغيرًا وُلد في أعماقي، ثم كبر معي عامًا بعد عام، حتى صار وطنًا أحمله أينما ذهبت.
كلما شعرت بالغربة، عدت إليه. وكلما ضاق صدري، وسّع لي السماء. وكلما انكسرت، جمع شتاتي بهدوء، دون أن يطلب مني تفسيرًا لما أشعر به.
يقول البعض إن الخيال هروب من الواقع...
وربما كانوا محقين، لكنهم لا يعرفون أن بعض الأرواح لا تهرب لأنها ضعيفة، وإنما لأنها تعبت من الوقوف طويلًا في وجه واقع لا يرحم.
أحيانًا، لا يكون الخيال إنكارًا للحياة، بل طريقة أعمق للتشبث بها.
وقد يكون الإنسان عاجزًا عن تغيير ما يحدث حوله، لكنه يظل قادرًا على أن يصنع في داخله المكان الذي يحتاج إليه؛ مكانًا يستريح فيه، ويستعيد فيه نفسه، ويمنح قلبه ما عجز الواقع عن منحه.
وإن كان الواقع قد بخل عليّ أحيانًا بالطمأنينة، فقد كان خيالي كريمًا بما يكفي ليهبني منها ما يكفيني لأواصل الطريق.
لهذا، لا أخجل من الاعتراف بأن أجمل الأماكن التي سكنتها يومًا لم تكن على خارطة العالم....كانت في داخلي.
فالخيال لم يكن هروبًا من الحياة كما ظن البعض؛ كان الجسر الذي عبرت به أقسى أيامي، والنافذة التي أبقيتها مفتوحة حين أُغلقت في وجهي نوافذ كثيرة، واليد الخفية التي أمسكت بروحي كلما أوشكت على السقوط.
ومنذ طفولتي وحتى اليوم...
كان الخيال أكثر من عالمٍ صنعته في داخلي.
كان ملجئي، ورفيقي، ووطن الروح حين لا تجد الروح وطنًا آخر.
وسيظل، مهما تغيّرت الأيام...
ملجأ الروح الأخير.
••┈┈┈•
𓆩 𓂃 الكاتبة سماهر الرئيسي 𓂃 𓆪

في الخارج، كنت طفلًة عاديًة ؛ أضحك حين ينبغي أن أضحك، وأجيب حين يُنادى اسمي، وأمضي مع الأيام كما يمضي الآخرون. أما في داخلي، فكان يسكن عالم آخر، عالم لا تحدّه الجدران، ولا تفرض عليه الحياة قوانينها القاسية.
هناك، كنت أبني مدنًا لا يعرفها الحزن، وأرسم وجوهًا لا يطالها الخذلان، وأخترع أحاديث لم تُقَل، وأمنح الحكايات نهايات أكثر رحمة من تلك التي كانت الحياة تتركها لي.
لم يكن الخيال بالنسبة إليّ لعبة طفل، ولا رفاهية عابرة... كان بيتًا سريًا ألوذ به كلما ضاقت بي الدنيا.
كلما أثقل الواقع روحي، كنت أفتح باب ذلك العالم بصمت، وأدخله كما يدخل المرء بيته بعد غياب طويل؛ مطمئنًا إلى أن أحدًا هناك لن يسأله لماذا تأخر، ولا ماذا حدث له في الطريق.
هناك، كنت أصلح ما أفسده الواقع، وأحتضن تلك النسخ الصغيرة مني التي أنهكها الخوف، وأمنحها شيئًا من الطمأنينة التي لم أعرف كيف أطلبها من العالم.
كنت أتخيّل لأهدأ حين يشتد القلق، ولأنام حين تعجز الأفكار عن الصمت، ولأجفف دموعي قبل أن يراها أحد، ولأجد مخرجًا من أيام كانت تبدو أحيانًا أثقل من قدرة القلب على الاحتمال.
ومع مرور السنوات، لم يكبر جسدي وحده؛ كبر ذلك العالم معي أيضًا. اتسعت حدوده، وازدادت دفئًا، وصار أكثر قدرة على احتوائي، حتى وصلت أحيانًا إلى مرحلة لم أعد أعرف فيها أي العالمين أكثر حقيقة؛ العالم الذي أعيش فيه، أم العالم الذي يسكنني.
لم يدرك أحد أن أكثر ما أنقذني في هذه الحياة لم يكن يدًا امتدت نحوي، ولا كلمة قيلت في اللحظة المناسبة، ولا بابًا فُتح حين كنت أحتاج إليه... كان شيئًا لا يُرى.
كان خيالًا صغيرًا وُلد في أعماقي، ثم كبر معي عامًا بعد عام، حتى صار وطنًا أحمله أينما ذهبت.
كلما شعرت بالغربة، عدت إليه. وكلما ضاق صدري، وسّع لي السماء. وكلما انكسرت، جمع شتاتي بهدوء، دون أن يطلب مني تفسيرًا لما أشعر به.
يقول البعض إن الخيال هروب من الواقع...
وربما كانوا محقين، لكنهم لا يعرفون أن بعض الأرواح لا تهرب لأنها ضعيفة، وإنما لأنها تعبت من الوقوف طويلًا في وجه واقع لا يرحم.
أحيانًا، لا يكون الخيال إنكارًا للحياة، بل طريقة أعمق للتشبث بها.
وقد يكون الإنسان عاجزًا عن تغيير ما يحدث حوله، لكنه يظل قادرًا على أن يصنع في داخله المكان الذي يحتاج إليه؛ مكانًا يستريح فيه، ويستعيد فيه نفسه، ويمنح قلبه ما عجز الواقع عن منحه.
وإن كان الواقع قد بخل عليّ أحيانًا بالطمأنينة، فقد كان خيالي كريمًا بما يكفي ليهبني منها ما يكفيني لأواصل الطريق.
لهذا، لا أخجل من الاعتراف بأن أجمل الأماكن التي سكنتها يومًا لم تكن على خارطة العالم....كانت في داخلي.
فالخيال لم يكن هروبًا من الحياة كما ظن البعض؛ كان الجسر الذي عبرت به أقسى أيامي، والنافذة التي أبقيتها مفتوحة حين أُغلقت في وجهي نوافذ كثيرة، واليد الخفية التي أمسكت بروحي كلما أوشكت على السقوط.
ومنذ طفولتي وحتى اليوم...
كان الخيال أكثر من عالمٍ صنعته في داخلي.
كان ملجئي، ورفيقي، ووطن الروح حين لا تجد الروح وطنًا آخر.
وسيظل، مهما تغيّرت الأيام...
ملجأ الروح الأخير.
••┈┈┈•
𓆩 𓂃 الكاتبة سماهر الرئيسي 𓂃 𓆪