- إنضم
- 13 مايو 2024
- المشاركات
- 54,838
- مستوى التفاعل
- 42,110
- النقاط
- 1,410
- الاوسمة
- 1
- الإقامة
- فُي قٌلُِبَ آلُِحٍڪآية
نحن نشبة الكتب اكثر مما نتخيل
فكل إنسان يحمل بين ضلوعه كتابًا لا يراه الآخرون، كتابًا كُتبت صفحاته من أعوامه الأولى؛ من الأشياء التي أحبها، والأشياء التي فقدها، من الضحكات التي بقي صداها في القلب، والدموع التي جفّت على الخد ولم تجف آثارها في الروح.
نحن كتبٌ تمشي بين الناس، لكن ليس كل من يمر بنا يعرف كيف يقرأنا.هناك من يكتفي بعنواننا، فيحكم علينا من اسمٍ أو مظهرٍ أو موقف عابر، وهناك من يقرأ الصفحة الأولى ثم يملّ، وهناك من يلتقط سطرًا واحدًا من حكايتنا ويبني عليه رواية كاملة عنّا. وقليلون جدًا هم أولئك الذين يملكون صبر القراءة؛ أولئك الذين لا يتعجلون الحكم، ولا يقفزون فوق الصفحات، ولا يضعون نهايةً لشخص لم يصلوا بعد إلى منتصف حكايته.
نحن نشبه الكتب أيضًا في الأشياء التي نخفيها.
فالكتاب لا يضع أجمل صفحاته دائمًا في الواجهة، وربما كانت أكثر فصوله صدقًا هي تلك التي لم يقرأها أحد. وكذلك نحن؛ قد نبدو هادئين بينما تخوض أرواحنا معارك طويلة، وقد نضحك في الوقت الذي تكون فيه إحدى صفحاتنا مثقلة بالحزن، وقد نقول «أنا بخير» لأننا لم نجد الشخص الذي نثق به بما يكفي لنفتح أمامه الصفحة التي تؤلمنا.
وفي كل كتاب صفحات ممزقة، وأخرى باهتة، وأخرى كتب عليها الحبر بعجلة، ثم ندم الكاتب على بعض الكلمات ولم يستطع محوها. ونحن كذلك... نحمل أخطاءنا، وقراراتنا التي لم تكن صائبة، وطرقًا سلكناها ثم اكتشفنا أنها لم تكن لنا، وأشخاصًا منحناهم مكانًا في قلوبنا ولم يكونوا جديرين به.
لكن أجمل ما في الكتب أنها لا تُقاس بصفحة واحدة.
فلا يجوز أن نحكم على كتاب لأن فصلًا فيه كان حزينًا، ولا أن نغلقه لأن إحدى صفحاته لم تعجبنا. ربما يأتي بعد الحزن فصل أكثر دفئًا، وربما تحمل الصفحات التالية إجابة عن سؤال ظل يؤرقنا طويلًا. وكذلك الإنسان؛ قد يمر بمرحلة تجعله أقل قدرة على الكلام، أو أكثر عزلة، أو أشد حذرًا، لكن ذلك لا يعني أن هذه هي حكايته كلها.
بعض الناس كتبٌ تحتاج إلى وقت.
لا يمكن قراءتهم على عجل؛ لأن أجمل ما فيهم لا يظهر من اللقاء الأول. تحتاج إلى أن تجلس بالقرب منهم، أن تصغي إلى صمتهم، أن تلاحظ ما لا يقولونه، وأن تفهم أن بعض الشخصيات لا تُكتب بالحروف وحدها، بل بالتفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها إلا قارئ جيد.
وهناك أشخاص يشبهون الكتب القديمة...
كلما عدت إليهم اكتشفت فيهم شيئًا لم تنتبه إليه من قبل. جملة كنت قد قرأتها ذات يوم دون أن تعني لك شيئًا، ثم عدت إليها بعد سنوات، فإذا بها تشبهك تمامًا. ربما لأننا لا نقرأ الكتب دائمًا بعين واحدة؛ نحن نقرأها بقدر ما نملك من تجربة، ولهذا قد يمنحنا الكتاب نفسه معنى مختلفًا في كل مرة.
والإنسان أيضًا يتغير.
قد تعود إلى شخص عرفته قبل أعوام فتكتشف أنك لم تعد تقرؤه بالطريقة نفسها، ليس لأنه تغيّر وحده، بل لأنك أنت أيضًا أصبحت قارئًا مختلفًا. بعض الصفحات التي كانت تؤلمك لم تعد تؤلمك، وبعض الأشياء التي كنت تراها نهاية العالم أصبحت مجرد فصل انتهى، وبعض الأشخاص الذين كنت تظن أنك لن تستطيع العيش دونهم أصبحوا مجرد أسماء في كتاب قديم.
ولعل أكثر ما يشبه الكتب فينا هو أننا جميعًا نبحث عن قارئ يفهمنا، لا عن قارئ يصفق لنا.
نبحث عن شخص يستطيع أن يرى الصفحة المشرقة فينا، دون أن ينكر الصفحة المظلمة، وأن يعرف أن الإنسان ليس فصلًا واحدًا، ولا موقفًا عابرًا، ولا خطأً ارتكبه ذات يوم.
نحتاج إلى من يقرأنا بإنصاف.
إلى من لا يضع إصبعه على أكثر صفحاتنا ألمًا ثم يسألنا لماذا لم نكن أقوى، ولا يقرأ فصلًا عن خوفنا ثم يصفنا بالضعف، ولا يرى انعزالنا فيظنه غرورًا، ولا يقرأ صمتنا فيعتبره برودًا.
نحتاج إلى قارئ يعرف أن وراء كل صفحة سببًا، وأن بعض الفصول لم نختر كتابتها، لكنها كُتبت رغمًا عنا.
وفي المقابل، علينا أن نتعلم نحن أيضًا كيف نقرأ الآخرين.
فربما كان الشخص الذي ظنناه قاسيًا يحمل فصلًا لم نعرفه، وربما كانت تلك المرأة التي بدت باردة قد أمضت أعوامًا تحاول حماية قلبها، وربما كان ذلك الرجل الصامت يحمل في داخله كلامًا كثيرًا، لكنه لم يجد يومًا من يقرأه دون أن يقاطعه.
لذلك، لا تتعجلوا إغلاق الكتب من حولكم.
امنحوا الناس فرصة أن يصلوا إلى فصولهم التالية.
فبعض أجمل الشخصيات لا تظهر في البداية، وبعض أصدق الحكايات تبدأ بعد صفحة ظننا أنها النهاية.
وأما نحن...
فلسنا مطالبين بأن نكون كتابًا يعجب الجميع.
فالكتاب الذي يحاول إرضاء كل القراء يفقد شيئًا من صوته، وكذلك الإنسان حين يقضي عمره في محاولة أن يكون الصورة التي يريدها الآخرون. يكفي أن نكون صادقين مع صفحاتنا، وأن نملك الشجاعة لنكتب فصولًا جديدة حين لا تعجبنا الفصول القديمة.
قد نمزق صفحة، وقد نندم على فصل، وقد نتمنى لو أن بإمكاننا العودة إلى أول الكتاب وإعادة كتابة بعض الأشياء... لكن الحياة لا تمنحنا قلمًا يمحو الماضي.
إنها تمنحنا شيئًا أجمل:
صفحة جديدة.
ولهذا، لا أخاف من الصفحات التي لم أكتبها بعد.
فربما يكون أجمل فصول حياتي هو الفصل الذي لم أصل إليه بعد.
وربما كانت كل الخيبات التي ظننتها نهايات، مجرد فواصل طويلة بين فصلين.
نحن نشبه الكتب...
نُقرأ خطأ أحيانًا، ونُهمل أحيانًا، ونُحفظ في الرفوف طويلًا، وقد يأتي قارئ واحد فقط فيقرأنا كما ينبغي، فيكتشف أن خلف الصمت حكاية، وخلف القسوة خوفًا، وخلف الابتسامة عمرًا كاملًا من الحكايات.
وفي النهاية، لا يبقى من الكتاب عدد صفحاته، ولا سمك غلافه، ولا عدد من قرأه...
بل الأثر الذي تركه في قلب قارئه.
وكذلك نحن.
قد نعبر حياة أشخاص كصفحة عابرة، وقد نصبح في حياة أحدهم فصلًا لا يُنسى، وقد ينسى البعض أسماءنا تمامًا، لكن يكفينا أن نكون، ولو مرة واحدة، ذلك السطر الذي قرأه أحدهم في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى معنى.
فربما لم نأتِ إلى هذه الحياة لنكون كتبًا يقرأها الجميع...
ربما جئنا لنكون حكايات حقيقية، يقرأها من يستحق أن يعرفنا.
꧁༺ الكاتبة سماهر الرئيسي ༻꧂
