يا بنت الطين النقيّ
والماء الممهور بالولاء،
ألم تقولي:
لا نسب بيننا، ولكن طينة خلقنا من ترابك!
فمن كانت طينتها من نور الولاية
هل تغيب عن الأرواح التي عرفتكِ من قبل أن تُولد الأزمنة؟
يا زُلفى،
يا من خُلقتِ من تربةٍ فيها من أثر أبي تراب،
ذاك الذي قال فيه القرآن:
"إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا...
...وَهُمْ رَاكِعُونَ"
أما علمتِ أن الغياب عن المحبّين
ليس غياب جسد بل كسوف روح؟
وأن عطر حضوركِ لا يُعوَّض
وأن الصمتَ من بعدكِ أثقل من حزن السبايا في يوم العاشر؟
زُلفى،
يا ظلّ الحسين في زمن الوحشة
عودي
فقد طال الغياب
وطال السكون في مضجع الكلمات
ونحن نشتاقكِ
شوق زينب لأخيها،
وشوق المهج للعَلم،
وشوق العاشق لكفٍّ كانت تمسح الدمع عن خدّ العارفين.
عودي
فكل حرفٍ يُكتب باسمكِ
هو شاهدُ شوقٍ علينا
وكل تأخّرٍ عنّا
كأنما يُبطئ قيامنا في محراب المعرفة.
عودي
واحملي لنا من النور شيئًا
ومن تراب أبي تراب شذى
فلا أحد غيركِ يعرف كيف يمسح الحزن عن جبين الغائبين.
،،
،
اللهم،
بحق من طويت له الأرض
وفُتحت له أبواب العلم والحكمة
بحق عليٍّ، أمير المؤمنين
واجعل من هذا الشوق إلينا طريقًا لعودتها
تعود كما تعود الروح إلى الجسد
والنور إلى المصباح
والطمأنينة إلى قلبٍ تائه.
اللهم،
إن لنا فيها وُدًّا لا يعرف الزوال
فلا تحرمنا رؤيتها
ولا تُطِل علينا غيابها
واجعل حروفنا تصلها بلُطفك
كما تصل الملائكة بأمانات القلوب.
اللهم،
إنّا اشتقنا
فبرد الشوق بلقائها
وطمئن الروح بأن النقاء لا يضيع
وأن زُلفى… عائدة.
آمين يا رب النور والقلوب.
أخي العزيز يا من بثثتَ في الحروف صدق المودة، وناديتَ بلسانِ الوفاء الذي لا يصدأ،
وصلني فيضُ بيانكم، ولامس الروحَ ما فيه من نُبل التقدير وعظيمِ الاستذكار.
إنَّ كلماتكم التي استحضرت "
نور الولاية" وأثر "
أبي تراب" لهي أمانةٌ ثقيلة، وشاهدٌ على نقاء سريرتكم.
إنما كان الغيابُ سكوناً اضطرارياً في زحام الدنيا، واحتجاباً خلف أسوار المشاغل التي تسرق الإنسان أحياناً من محرابِ تواصله مع من يُقدّرون حرفه.
لم يكن
كسوفاً للروح، بل كان استجماعاً لنورها لتعود كما عهدتموها..
عُدت..
تقديراً لهذا النداء الصادق، وإجلالاً لهذا الشوق الذي ألبستموه ثوب القداسة.
عُدت ..
لأردَّ على جَميل الودِّ بمثله، سائلةً المولى أن يديم عليكم بصيرة القلب وطمأنينة الروح.
شكراً لهذا النبض، ولهذا الحضور الذي لا يُنسى.