- إنضم
- 13 مايو 2024
- المشاركات
- 54,775
- مستوى التفاعل
- 41,768
- النقاط
- 1,410
- الاوسمة
- 1
- الإقامة
- فُي قٌلُِبَ آلُِحٍڪآية
في طفولتي كانت هواية الرسم ملاذي وعالمي الخاص. كان الدفتر الأبيض وطناً، والألوان لغة لا تحتاج إلى ترجمة. كنت أجلس الساعات الطوال لا أشعر بالوقت، أنسى الجوع والنوم. أرسم شجرة فأستظل بها، وأرسم بحراً فأسمع خرير موجه، وأرسم وجهاً فأحدثه حتى الفجر.
فمنذ نعومة أظافري، كان للرسم مكانٌ خاص في قلبي، وكأنني وجدت فيه لغةً تسبق الكلمات، ومساحةً أعبّر فيها عمّا تعجز عنه العبارات. كنت أنظر إلى الورقة البيضاء كما لو أنها عالمٌ ينتظر أن أملأه بالألوان، وكانت رائحة الألوان وأصوات أقلام الرصاص وهي ترسم خطوطها الأولى تمنحني سعادةً لا تشبهها سعادة. لم يكن الرسم بالنسبة إليّ مجرد هواية عابرة، بل كان نافذتي إلى الخيال، ورفيق طفولتي الذي ألوذ به كلما أردت أن أهرب من صخب العالم إلى هدوء الروح.
كانت يدي تسبق قلبي إلى الفرشاة، وكنت أرسم لأنني أحب، لا لسبب آخر. أخطئ فأبتسم، وأمحو فأبدأ من جديد، وكل خطأ كان معلماً، وكل لوحة كانت عمراً.
ومع مرور الأيام كبرت الحياة قبلي.
ازدحمت الأوراق المطلوب إنجازها، وامتلأ التقويم بالمواعيد، وامتلأ الرأس بالمسؤوليات.
وفي يوم انتبهت إلى علبة الألوان مركونة في زاوية، يعلوها غبار خفيف، وبجوارها فرشاة جافة كأنها تنتظر إشارة لن تأتي.
لم أترك الرسم بإرادتي.. بل سحبتني الحياة من يدي.
فصارت الهواية ذكرى أزورها على استحياء.
أمرّ بمكتبة فتقع عيني على الألوان فأبتسم، وأرى طفلاً يرسم فـ يخفق قلبي، وأفتح صوري القديمة فأهمس: "كنتُ أنا".
وكلما رأيت لوحةً جميلة أو تأملت عملًا فنيًا، عاد إليّ ذلك الشعور القديم، وكأن الطفل الذي كان يسكنني ما زال يحمل ريشته، ينتظر فرصةً ليعود من جديد. أدركت أن بعض الشغف لا يموت، بل يختبئ في أعماقنا، ينتظر اللحظة التي نستعيد فيها أنفسنا، فنعود إليه كما يعود المسافر إلى المكان الذي أحبّه يومًا، ليكتشف أن الحنين إليه لم يفارقه أبدًا.
وكلما زرتُ معرضًا للفنون، تأملتُ اللوحات طويلًا، وارتسمت على وجهي ابتسامة ممزوجة بالحنين. عندها أتذكر موهبتي القديمة، وأدرك أن حب الرسم لم يفارق قلبي يومًا، وإنما اختبأ خلف زحام الأيام، ينتظر لحظة يعود فيها إلى النور.
مازلت أهمس في داخلي .:
"كلما سمحت لي الفرصة .. سأعود".
"عندما تهدأ الضغوط .. سإعود ".
ولكني أدركت أن عجلة الحياة لا تهدأ، وأن علينا نحن أن نسرق لها وقتاً.
فالرسم لم يمت، هو فقط غفا في درج الذاكرة، ينتظر يدي.
قديماً كانت هواية.. واليوم صارت حنيناً.
حنيناً إلى تلك النسخة مني التي كانت تجلس على الأرض ساعات، بلا غاية سوى السعادة.
ولعلّي في يوم أفتح الدفتر من جديد، لا لأرسم تحفة، بل لأقول لنفسي: "مازلتِ هنا".
فمنذ نعومة أظافري، كان للرسم مكانٌ خاص في قلبي، وكأنني وجدت فيه لغةً تسبق الكلمات، ومساحةً أعبّر فيها عمّا تعجز عنه العبارات. كنت أنظر إلى الورقة البيضاء كما لو أنها عالمٌ ينتظر أن أملأه بالألوان، وكانت رائحة الألوان وأصوات أقلام الرصاص وهي ترسم خطوطها الأولى تمنحني سعادةً لا تشبهها سعادة. لم يكن الرسم بالنسبة إليّ مجرد هواية عابرة، بل كان نافذتي إلى الخيال، ورفيق طفولتي الذي ألوذ به كلما أردت أن أهرب من صخب العالم إلى هدوء الروح.
كانت يدي تسبق قلبي إلى الفرشاة، وكنت أرسم لأنني أحب، لا لسبب آخر. أخطئ فأبتسم، وأمحو فأبدأ من جديد، وكل خطأ كان معلماً، وكل لوحة كانت عمراً.
ومع مرور الأيام كبرت الحياة قبلي.
ازدحمت الأوراق المطلوب إنجازها، وامتلأ التقويم بالمواعيد، وامتلأ الرأس بالمسؤوليات.
وفي يوم انتبهت إلى علبة الألوان مركونة في زاوية، يعلوها غبار خفيف، وبجوارها فرشاة جافة كأنها تنتظر إشارة لن تأتي.
لم أترك الرسم بإرادتي.. بل سحبتني الحياة من يدي.
فصارت الهواية ذكرى أزورها على استحياء.
أمرّ بمكتبة فتقع عيني على الألوان فأبتسم، وأرى طفلاً يرسم فـ يخفق قلبي، وأفتح صوري القديمة فأهمس: "كنتُ أنا".
وكلما رأيت لوحةً جميلة أو تأملت عملًا فنيًا، عاد إليّ ذلك الشعور القديم، وكأن الطفل الذي كان يسكنني ما زال يحمل ريشته، ينتظر فرصةً ليعود من جديد. أدركت أن بعض الشغف لا يموت، بل يختبئ في أعماقنا، ينتظر اللحظة التي نستعيد فيها أنفسنا، فنعود إليه كما يعود المسافر إلى المكان الذي أحبّه يومًا، ليكتشف أن الحنين إليه لم يفارقه أبدًا.
وكلما زرتُ معرضًا للفنون، تأملتُ اللوحات طويلًا، وارتسمت على وجهي ابتسامة ممزوجة بالحنين. عندها أتذكر موهبتي القديمة، وأدرك أن حب الرسم لم يفارق قلبي يومًا، وإنما اختبأ خلف زحام الأيام، ينتظر لحظة يعود فيها إلى النور.
مازلت أهمس في داخلي .:
"كلما سمحت لي الفرصة .. سأعود".
"عندما تهدأ الضغوط .. سإعود ".
ولكني أدركت أن عجلة الحياة لا تهدأ، وأن علينا نحن أن نسرق لها وقتاً.
فالرسم لم يمت، هو فقط غفا في درج الذاكرة، ينتظر يدي.
قديماً كانت هواية.. واليوم صارت حنيناً.
حنيناً إلى تلك النسخة مني التي كانت تجلس على الأرض ساعات، بلا غاية سوى السعادة.
ولعلّي في يوم أفتح الدفتر من جديد، لا لأرسم تحفة، بل لأقول لنفسي: "مازلتِ هنا".
